السيد كمال الحيدري

32

الإنسان بين الجبر والتفويض

ثانياً : الاتّجاه الاعتزالي أفرز الفكر الإسلامي في مقابل الاتّجاه الأشعري اتّجاهاً آخر آمن بنظام السببيّة وبقانون العلّية العامّ من دون أن يرى في ذلك تعارضاً بينه وبين إثبات مبدأ الخالقية لله سبحانه . ومع أنّ الشيعة الإمامية والمعتزلة ينتميان كلاهما إلى هذا الاتّجاه ويعبّران عنه في مقابل الأشاعرة ، إلّا أنّنا قد فصلنا بينهما على أساس طبيعة القراءة التي يقدّمها كلّ فريق لموقفه النظري . من هنا ينبغي أن يكون واضحاً أنّه ليس لدينا على مستوى الفواعل الطبيعية إلّا اتّجاهان ؛ الأوّل ينكر مبدأ السببيّة ، والآخر يؤمن به . والأشاعرة هم خير مثال للاتّجاه الأوّل ، يقابلهم الشيعة والمعتزلة فهم خير من يمثِّل الاتّجاه الثاني . ومن ثمَّ فإنّ إطلاق مصطلح « الاتّجاه » على المعتزلة ، ثمّ على الشيعة الإمامية ، محمول على ضرب من التساهل في استخدام المصطلح يسوّغه التفاوت في القراءة التي يقدّمها كلّ فريق للموضوع . يمكن أن يوصف الاتّجاه الاعتزالي بأنّه قدّم قراءة معاكسة للاتّجاه الأشعري . فقد لاحظ رموز الاعتزال أنّ ظواهر الآيات القرآنية تلتقي مع الفطرة والوجدان في الإيمان بقانون السببيّة ، يعزّز ذلك حصيلة التجربة الحسّية التي تثبت حاكمية هذا القانون في نظام الوجود . هكذا انطلق المعتزلة من النقطة ذاتها التي انطلق منها الأشاعرة ، لكن غاية ما هناك أنّهم انحازوا إلى الشقّ الثاني من الإشكالية ، فانتهوا